ابن تيمية

45

مجموعة الرسائل والمسائل

ولا ينكر القرآن في الظاهر ، وهؤلاء جحدوا الرب وأشركوا به كل شيء وافتروا هذه الكتب التي قد يزعمون أنها أعظم من القرآن ، ويفضلون نفوسهم على النبي صلى الله عليه وسلم من بعض الوجوه ، كما قد صرح به صاحب الفصوص عن خاتم الأولياء . وحدثني الثقة عن الفاجر التلمساني أنه كان يقول : القرآن كله شرك ليس فيه توحيد وإنما التوحيد في كلامنا . وأما الضلال والحيرة فما مدح لله ذلك قط ولا قول النبي صلى الله عليه وسلم " زدني فيك تحيراً " ولم يرو هذا الحديث أحد من أهل العلم بالحديث ، ولا هو في شيء من كتب الحديث ، ولا في شيء من كتب من يعلم الحديث ، بل ولا من يعرف الله ورسوله ، وكذلك احتجاجه بقوله ( كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ) وإنما هذا حال المنافقين المرتدين ، فإن الضلال والحيرة مما ذمه الله في القرآن ، قال الله تعالى في القرآن ( قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران ) الآية . وهكذا يريد هؤلاء الضالون أن يفعلوا بالمؤمنين ، يريدون أن يدعوا من دون الله ما لا يضربهم ولا ينفعهم ، وهي المخلوقات والأوثان ، والأصنام وكل ما عبد من دون الله ، ويريدون أن يردوا المؤمنين على أعقابهم ، يردونهم عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت ، ويصيروا حائرين ضالين كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى : ائتنا وقال تعالى ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم - إلى قوله - يعمهون ) أي يحارون ويترددون وقال تعالى ( اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) فأمر بأن نسأله هداية الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين . وهؤلاء يذمون الصراط المستقيم ويمدحون طريق أهل الضلال والحيرة ، مخالفة لكتب الله ورسله ، ولما فطر الله عليه عباده من العقول والألباب .